عبد الكريم الخطيب
186
التفسير القرآنى للقرآن
المتبوعون من الأتباع ، وتتقطع بينهم أسباب التقارب والتواصل ، ويترامون بالعداوة والبغضاء ! والأتباع والمتبوعون هنا هم جميعا من أهل الضلال . . أما الأتباع فهم العامة ، وأما المتبوعون فهم العلماء وأصحاب القيادة الدينية فيهم ، إذ هم الذين زينوا للعامة هذا الضلال ، وهم الذين حرّفوا لهم الكلم عن مواضعه ، فأهلكوهم وهلكوا معهم جميعا . فالمشهد هنا بين الأتباع والمتبوعين قائم على شفير جهنم التي يساق إليها الأتباع والمتبوعون معا . ولما كان هؤلاء المتبوعون هم الذين زينوا لأتباعهم هذا الضلال الذي أوردهم موارد الهلاك ، فقد وقع في أنفسهم حين رأوا العذاب الذي ينتظرهم ، أن أتباعهم سوف يتعلقون بهم ، ويسوقونهم للقصاص منهم ، بتهمة التحريض والغواية لهم ، إذّاك بادر هؤلاء المتبرعون وتبرءوا من أتباعهم ، ونفضوا أيديهم من كل صلة بهم ! وحين يجد الأتباع أنهم وقادتهم حصب جهنم ، كما يقول اللّه تعالى : « فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ » : ( 33 : الصافات ) يتضاعف حزنهم وتشتد حسرتهم ، ويقطّع اليأس نياط قلوبهم ، حين لم ينالوا منالا من هؤلاء الذين غرروا بهم ، وأوردوهم هذا المورد الوبيل ! وإذ ذاك تنطلق ألسنتهم بكلمات تتميز غيظا ويأسا : « لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً ! فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا ؟ » فهم إنما يتمتمون - في يأس مغلق - أن يردّوا هم ورؤساؤهم إلى هذه الدنيا ، ليراجعوا حسابهم معهم على ضوء ما تكشّف لهم في هذا الموقف ، وليصموا آذانهم عن كل دعوة باطلة يدعونهم إليها . . أما تبرءوهم منهم في الآخرة فإنه لا يجدى نفعا . . فقد دعوا إلى الضلال وأجابوا ،